الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة ورقات توثيقية هامة تخصّ تاريخ الموسيقى بتونس خلال الفترة الوسيطة، وما علاقة خشب منبر جامع القيروان بـ "صكّ توبة" هذا الأمير؟

نشر في  28 جوان 2022  (09:39)

في عام 1966، نشر المؤرخ حَسن حسني عبد الوهاب (1884-1968) دراسة بعنوان "ورقات في الموسيقى وآلات الطرب في القطر التونسي"، والتي جمعها كل من الباحثان محمد المي وعبد الجليل بوقرة، وهي القسم الثاني من كتاب عبد الوهاب "ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية" ، وقد حمل هذا القسم عنوان "الموسيقى وآلات الطرب".

وقد اعتبرت هذه الدراسة من أهم الدراسات المرجعية التي تناولت تاريخ الموسيقى بتونس منذ دخول العرب المسلمين البلاد إلى بداية القرن العشرين، والتي اعتمدها فيما بعد عدد كبير من الباحثين والمختصين في النبش في تاريخ الموسيقى بتونس...

في هذا الإطار خصّص بيت الحكمة مؤخرا محاضرة نقدية انطلقت من الدراسة المذكورة أو المقال المذكور، كمحاولة لتجاوزه وإعادة التحقيق في الموسيقى بتونس خلال الفترة الوسيطة للكشف عن عناصر المشهد الموسيقي لبلادنا في تلك الحقب وفهم أعمق لتاريخها الموسيقي...

وتنطلق ما يصطلح عليه بالفترة الوسيطة بالبلاد التونسية أو افريقية وفق ما كان يطلق عليها تلك الفترة الممتدة من منتصف القرن السابع ميلادي إبان الحملات الاسلامية الاولى على البلاد الى سبعينيات القرن 16 الموافق لسقوط الدولة الحفصية ومسك العسكر العثماني لمقاليد الحكم بعد قضائه على التواجد الاسباني بتونس..

كما تم في ذات المحاضرة التي قدّمها أنيس المؤدب، الموسيقي والباحث والأستاذ المحاضر في الموسيقى والعلوم الموسيقية بجامعة تونس، تمّ من خلالها استعراض عدد من الوثائق والمصنفات المتضمنة لمعلومات هامة تخص الشأن الموسيقي والتي لم يذكرها  المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب في دراسته وذلك لأسباب قد تكون لعدم توفرها...

في البداية اعتبر الباحث أنيس المؤدب ان الصعوبة في هذه المحاضرة التي تهتم بمسألة الموسيقى بتونس في الفترة الوسيطة بناء على ما جاء في مقال حسن حسني عبد الوهاب، تعود لا لندرة المصادر فقط وانما ايضا لعوامل عقائدية وايديولوجية تحول دون وضوح المشهد الموسيقيي في تلك الفترات...

وأكد بأنه في تلك الازمنة سادت العديد من الأفكار المتناقضة والمتعلقة بالموسيقى يمكن تقسيمهاالى نوعين، نوع اول قام أغلبه على أحكام مسبقة تقول  بدناسة الموسيقى، ونوع معاصر شدّد على ان الموسيقى بتونس قد تبلورت منذ قدوم العرب المسلمين إليها وقد تشكلت بناء على ذلك كل تعبيراتها وأينعت تباعا في ظل الحضارة العربية بروافدها المشرقية ثم الاندلسية وبالتالي فان تاريخ الموسيقى بتونس عند أصحاب هذه الافكار مرتبط بتاريخ الموسيقى العربية وبكل ادبياته ومرجعياته.

واعتبر الباحث أنّ مداخلته تأتي في سياق استنطاق لما جاء في أهم دراسة موسيقية تاريخية لحسن حسني عبد الوهاب "الموسيقى وآلات الطرب في القطر التونسي" المدرجة بالجزء الثاني من كتابه "ورقات" الصادر سنة 1966، وذلك في محاولة لتحليل أو فهم ملابسات كتابتها والانطلاق منها وذلك للتفكير في صياغة تاريخ الموسيقى بتونس خلال الفترة الوسيطة على ضوء مقاربات العلوم الموسيقية على حدّ تعبيره.

ويضيف "هذه الدراسة التي وردت في 105 صفحة، اعتمد في صياغتها حسن حسني عبد الوهاب على منهجية سايرت فيها الموسيقى التحوّلات السياسية وتعاقب النظم بتونس ووقفت عند محطاتها الكبرى بداية من قدوم العرب الاوائل مرورا ببني المهلب ثم الاغالبة، الفاطميين، والصنهاجيين الذين تأصلت في فترتهم الفنون الموسيقية المستقدمة من المشرق حسب ما جاء في الدراسة وصولا الى الموحدين والحفصيين حيث تحول الاهتمام بالأرصدة الموسيقية الوافدة من الأندلس... ثم تطعمت تلك الأرصدة بعناصر تركية خلال الفترة العثمانية وخاصة مع الحسينيين في نهاية القرن 18"..

وأكد المحاضر بأنّ المؤرخ  عبد الوهاب ختم مقاله بفقرات متفرقة تناول فيها الحديث عن طواقم الموسيقى العسكرية وبعض القوالب الشعبية والطرقية والبدوية وترجمة لشخصيات موسيقية، منوها بأنه يمكن اعتبار هذه الدراسة نصا مرجعيا للتأريخ للموسيقى بتونس بالفترة الاسلامية ومنطلقا لجل الأبحاث في الموسيقى والعلوم الموسيقية التونسية المعاصرة.

واعتبر أنّ أهميتها تكمن خاصة في الاستناد على مجموعة من المصادر الأدبية والتاريخية من بينها مخطوطات غير منشورة كان لحسن حسني عبد الوهاب السبق في التعريف بها وبما تحتويه من معلومات موسيقية..

علاقة المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب بصاحب قصر "النّجمة الزّهراء" البارون رودولف ديرلانجي

وتطرق الباحث أنيس المؤدب خلال مداخلته الى العلاقة التي جمعت الأديب والمؤرخ حسن حسني عبد الوهاب بداية القرن 20، بصاحب قصر "النّجمة الزّهراء" الموسيقي المستشرق  البارون رودولف ديرلانجي معتبرا أنّ من أهم دواعي تلك العلاقة هي شدّة اهتمام المؤرخ التونسي بالموسيقى إذ يحتفظ الارشيف الخاص بالبارون بالنجمة الزهراء بمذكرة تعود الى سنة 1916 والتي كان قد كتبها حسن حسني عبد الوهاب حول تطور الموسيقى العربية بتونس وأهداها للبارون  كعربون تخليد للمجالس الفكرية التي تمت بقصره في سيدي بوسعيد...

وقد دفع البارون صديقه عبد الوهاب إلى إثراء تلك المذكرة وتحويلها في شاكلة مقال تم نشره سنة 1918 بالمجلة التونسية تحت عنوان "تطور الموسيقى العربية في الشرق وإسبانيا وتونس" وهو مقال كان مهدى كذلك الى البارون ديرلانجي...

ورجّح سامي المؤدب أن يكون حسن حسني عبد الوهاب قد واصل بحثه بتؤدة الى سنة 1932، حيث تفيد إحدى مراسلاته الى البارون عندما كان بمرسيليا قبل انتقاله الى مصر مع الوفد الموسيقي الذي ترأسه والذي أرسل لحضور فعاليات مؤتمر القاهرة سنة 1932 تفيد إعداده دراسة حول الموسيقى العربية بتونس من الفترة الأغلبية الى يومها والتي اعتزم تقديمها في ذلك المؤتمر وقد تكون تلك الدراسة هي البنية الاساسية التي من خلالها ألّف كتابه "الموسيقى وآلات الطرب في القطر التونسية" ليكون حصيلة تجربته في مجال التاريخ الموسيقي وهي تجربة انبثقت في وسط استشراقي غايته تحديد خصوصية الموسيقى العربية والحفاظ على أصالتها.

واعتبر الباحث أنيس المؤدب بأن المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب استهل حديثه في الدراسة المطولة المذكورة، بالعرب وكيفية نشرهم لموسيقى كانوا قد استقدموها وهي تتمثل في "موسيقى الحداء" وهو نمط عرّفته المصنفات العربية القديمة على شاكلة "الأغاني" لأبي الفرج الاصفهاني و"العقد الفريد" لابن عبد ربه وهو غناء عرفت به القبائل العربية بالجزيرة العربية ويؤدى دون مصاحبة آلية وذلك أثناء مرافقة الإبل لحثها على السير.

وأفاد المحاضر في هذا الإطار بأن حسن حسني عبد الوهاب أورد بعض الأبيات من مخطوط "متعة الأسماع في علم السماع"  للشاعر والرحّالة والمؤرخ أحمد بن يوسف التيفاشي القفصي  المتوفي في القرن 13 ، معتبرا أنّ عبد الوهاب زعم ان تلك الأبيات هي التي كان يترنم بها في ذلك العصر بتونس..

لكن على عكس ذلك، فإنه وبالعودة الى احمد بن يوسف التيفاشي فإن الأخير لم يشر البتة الى ان تلك الأبيات كانت تغنى بطريقة الحداء بل نقلها في محل حديث عن أساليب غناء أهل إفريقية في فترة القرن الـ13 ميلادي على حد تعبير المحاضر الذي اضاف انه "ومهما يكن فإن الاكيد ان حسن حسني عبد الوهاب لم يكن يقصد المغالطة بل ذكر أبياتا قديمة تداولت بإفريقية وغاب عنه البعد الموسيقي التطبيقي خاصة وان ليس له دراية بالموسيقى العملية".

وفي دراسته يواصل حسن حسني عبد الوهاب الحديث عن الموسيقى خلال أواخر القرن الثامن بالقيروان زمن بني المهلب والتي استقدمت فيها من العراق من العراق حسب رأيه الات موسيقية عربية من عود ورباب وطمبور وبربط، وقد اقبل عليها سكان افريقية اي سكان البلاد التونسية في ذلك التاريخ.. ودليله في ذلك أخبار واردة في كتاب " معالم الايمان في معرفة اهل القيروان " تعود بعضها الى القرن 8 وذكر فيها أسماء تلك الالات الموسيقية...

وتساءل هنا الباحث أنيس المؤدب هل أنه يمكن الاكتفاء بجرد تلك المعلومات التي يعود زمن كتابتها الى القرن الثالث عشر (كتاب معالم الايمان في معرفة اهل القيروان تعود كتابته الى ما بين القرن 13 والقرن 15 ميلادي)، لتعميمها على كامل البلاد خلال القرن الثامن والتي وصّفها المحاضر بأنها فترة غامضة من تاريخها..

صمود المسيحية في منطقة الجريد الى حدود القرن الثاني عشر ميلادي

ويضيف أنه واستنادا على القطع النقدية المسكوكة بإفريقية والمتداولة خلال القرن الثامن والتي نقشتي عليها كتابات لاتينية، تبيّن انّ الثقافة اللاتينية كانت لا تزال سائدة بين الأهالي كما ان المسيحية بقيت متماسكة في عديد من المناطق من بينها الجريد الى حدود القرن الثاني عشر ، هذا فضلا عن العنصر السكاني الغالب آنذاك المتمثل في الامازيغ  حيث ما العرب الا أقلية وبالتالي فمن المرجح ان المجتمع المحلي قد واصل تقاليده الموسيقية الضاربة في القدم سواء للقيام بمناسكه الدينية او احتفالاته الموسمية أو للتسلية وذلك خلال فترة طويلة قبل ان يندمج جزء منه مع الثقافة الوافدة وفق ما جاء في المحاضرة.

وعودة عن الذي كتبه حسن حسني عبد الوهاب خلال الفترة الاغلبية الممتدة على كامل القرن التاسع، اعتبر صاحب الدراسة بأنّ المجتمع التونسي قد عرف خلال تلك الفترة التمدن والرفاهية ومنها الموسيقى التي لقّنت للحظايا على يد أساتذة قدموا من المشرق ...

وفي هذا الصدد ذكر عبد الوهاب قدوم زرياب الفنان والعالم الاندلسي الى القيروان واتصاله بزيادة الله الاغلبي وبقائه بضعة اشهر من سنة 821-822 قبل ان يغادرها الى الأندلس.

ويضيف أنيس المؤدب: "من الطريف ان حسن حسني عبد الوهاب لم يذكر حادثة غضب زيادة الله الاغلبي من زرياب وطرده من بلاطه، وهو اقدم خبر عن شخصية زرياب قدّمه ابن عبد ربه الاندلسي في كتابه "العقد الفريد" الذي دوّنه ما بين القرنين الـتاسع والعشر ميلادي اي انه قريب جدا من فترة زرياب الذي ربما توفي حوالي 858 ميلادي" ...

ورجّح المحاضر بأنّ حسن حسني عبد الوهاب قد يكون اختلق عذرا لزيادة الله بكونه انشغل عن زرياب بإخماد ثورة الجند آنذاك وكأنه بذلك يدافع عن الافارقة وبأنهم كانوا ذواقين للموسيقى وانهم لم يتخلوا عن زرياب إلا اضطرارا، معتبرا ان المطالع لهذه الدراسة سيجد العديد من التفاصيل التي اعتبرها المتدخل مبالغة من قبل كاتبها لما اعتبره لـ"التجميل" وهو ما لاحظه مثلا في حديث عبد الوهاب عن الآلات الموسيقية في فترة الاغالبة وهي ظاهرة أزعجت الفقهاء والزّهاد حسب ما تناقله عدد من الكتب المختصة من بينها كتاب"معالم الايمان" وكتاب "طبقات علماء افريقية" لأبي العرب التميمي في القرن 10...

حادثة تكسير الآلات الموسيقية "نهيا عن المنكر" !

واعتبر كذلك أن الملفت للانتباه أيضا هو أن المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب لم يشر لقضية تكسير الآلات الموسيقية من وتريات وهوائيات المتصلة بتلك الأخبار وهي من اجراءات النهي عن المنكر الرائجة في تلك الفترة وكانه تغاضى عن ذلك كي لا يعطي انطباعا سيئا عن الموقف المزدري لتلك الالات الموسيقية من قبل النخبة المفكرة والمثقفة في تلك العصور ناهيك عن الدخول في متاهات الجدل الفقهي..

كما تساءل الباحث المؤدب عن سرّ عدم اعتماد المؤرخ عبد الوهاب في دراسته عن الآلات الموسيقية لتلك الحقبة، وأهم كتاب تناول تسمياتها وانواعها بالوصف والشرح والتفسير وهو كتاب "أحكام السوق" ليحيى ابن عمر المتوفي سنة 901 ميلادي وبالتحديد ما جاء في فصل "الوليمة وما يكره من السماع فيها"، علما ان عبد الوهاب كان سباقا في تحقيق هذا الكتاب.

 خبر الأمير الأغلبي الذي كان صكّ توبته تخليه عن خشب الساج الذي جلبه من بغداد لصناعة آلة العود واستعمله لصناعة منبر جامع القيروان

ومقابل سكوت حسن حسني عبد الوهاب عما سبق ذكره، فقد نقل من كتاب "معالم الايمان" خبر الأمير الأغلبي أحمد ابن الاغلب  توفي 835 ميلادي الذي صدرت عنه هفوة فاستتاب أو كان صكّ توبته بأن تخلى عن خشب الساج الذي كان قد جلبه من بغداد لصناعة الآلات الموسيقية وبالتحديد آلة العود واستعمله في صناعة منبر جامع القيروان الذي لايزال قائما الى يومنا هذا...

واعتبر الباحث انيس المؤدب أنه وبصرف النظر عن مطابقة هذه المعلومات للواقع التاريخي أي هل تكون صحيحة أم  أنها عبارة عن مجرد خبر في قالب طرفة ، إلّا أنها تعتبر معلومات مهمة أكّدت بأن معضلة فقدان البلاد التونسية للمواد الخشبية الخام لصناعة الوتريات وتوريدها من الخارج ليس بأمر حديث بل قديم، وبأن إفريقية كانت تملك خبرات في صناعة تلك الآلات حيث كانت تستورد المواد الخام لا الآلات المصنوعة..

هذا  كما تعرض حسن حسني عبد الوهاب في دراسته الى مجالس الشراب وقضية تحليل النبيذ من قبل الحنفيين والذي كان قد أثار جدلا في الوسط القيرواني خلال القرنين الثامن والتاسع وقد تطرقت كتابات الفقيد المفكّر محمد الطالبي الى هذه المسألة خاصة في مقدمة كتابه "الصراع اللاهوتي في القيروان زمن الاغالبة" الذي صدر سنة 2017.

ما سبب منع بيع النبيذ علانية بالقيروان فيما يباع علنا برقادة؟

ووفق مداخلة الجامعي والباحث أنيس المؤدب، فقد ألمح العلّامة التونسي حسن حسني عبد الوهاب من خلال مقتطفات من كتاب "قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور" للشاعر والأديب الرقيق القيرواني الذي توفي حوالي سنة 1027 ميلادي الى الترابط الموجود بين تلك المجالس الخمرية والموسيقى، وقد تعمقت تلك الظاهرة ببناء رقادة وجعلها عاصمة للحكم الاغلبي حيث حظيت بكل مقومات الترف ومن بينها محلات اللهو ومجالس الطرب والعزف وبجانبها الخمارات التي أين يباع النبيذ علانية، بينما منع تداولها بالقيروان التي تبعد عنها 17 كيلومترا فقط للمحافظة عليها كعاصمة دينية مقدسة وهو ذات الأمر الذي مازال قائما الى الآن.

أنيس المؤدب اعتبر أنّ هذا عبارة عن اعتراف ضمني بالازدواجية التي عرفها المجتمع المسلم الافريقي في تعامله مع الموسيقى منذ الفترة الأغلبية، فهي تلك التسلية المرغوب فيها والتي تكاد تكون الوحيدة للترويح آنذاك وفي ذات الوقت فهي دائما "متهمة" لاقترانها بالنبيذ وعالم المحرمات وهي الصورة التي عملت على تنميطها عدة مصنفات إخبارية وأدبية ومنها المصادر التي استند اليها حسن حسني عبد الوهاب ككتاب "الحلية" لابن الأبار القضاعي وكتاب "البيان" المغرب لابن عذاري المراكشي وغيرها وهي كتابات كتبت ما بين القرنين الـ 13 والـ14...

هذه الكتابات التي ذكرت أخبار أمراء بني الأغلب الذين انغمسوا في مجالس الطرب على الشاكلة العباسية بقصور ببغداد وأنفقوا أموالا طائلة لشراء الجواري الموسيقيات أو استجلاب الموسيقيين المحترفين من المشرق على غرار مؤنس المغني وإغداق الهبات عليهم وكل ذلك في فترات عرفت بأزمات اقتصادية واجتماعية انتهت بأفول دولتهم واسقاطتها من قبل الفاطميين..

وتساءل المحاضر في هذا الإطار هل ان تلك الكتابات عملت على نقل وقائع تاريخية أم انها ضخمت من تصرفات اعتبرتها حسب رأيها أخلاقية؟

المخلفات الأيقونوغرافية للفاطميين، ومن تكون الشخصية المرسومة على اللوح الرخامي بالمهدية؟

وبالمرور الى الفترة الفاطمية والتي رأى الباحث المؤدب أن المفكر حسن حسني عبد الوهاب لم يتعمق فيها وأنه تخلّص منها بلباقة وذلك بترديد الحكم المسبق على الشيعة باعتبار ان الفاطميين كانوا من الشيعة (أول دولة شيعية تأسست بتونس) حيث كان من منظوره بأن الشيعة لم تكن ترى مانعا في سماع الايقاع كما لم تقم بتحريم الرسم...

 فأشاد بذلك المؤرخ بالمخلفات الأيقونوغرافية للفاطميين والتي خلّدت بعضها مواضيع موسيقية، من بينها لوح رخامي عثر عليه بالمهدية احتوى على شخصين أحدهما على رأسه تاج يمسك بكأس وبجانبه شخصية تنفخ في مزمار .

وقد اول عبد الوهاب هذا اللوح الرخامي بكونه يجسّد أمير عربي والغالب حسب رأيه ان يكون رابع الفاطميين اي المعز بدين الله الفاطمي وحذوه مغنية تطربه بصوتها ومزمارها.

وشدّد الباحث المؤدب بأنّ هذه الوثيقة المحفوظة حاليا بمتحف باردو عدّت عند الكثيرين كدليل داحظ للفكر الذي قال بأن العرب المسلمين يحرّمون الرسم التشخيصي أو ان اهل افريقية لم يعلموا ذلك الفن هذا بالإضافة الى المعلومات التي تتضمنها خاصة منها من الناحية الموسيقية.

ويضيف مستدركا: "غير انّ مقالا للاستاذ الباحث في الاثار الوسيطة فوزي محفوظ كان قد صدر سنة 2004 بمجلة أفريكا، شكّك فيه عبر مؤيدات انتماء الوثيقة الى الفترة الفاطمية مؤكدا بأنها وثيقة نورمانية خلفها النورمان حينما احتلوا المهدية ما بين سنوات 1148 و1160 وبذلك يكون التشخيص لروجار الثاني ملك صقلية وهو في جلسة خمرية يستمع بسماع زامرة هو الأقرب للواقع. ورغم ذلك فأنني انوه وأشيد بحسن حسني عبد الوهاب اذ كانت له نظرة استشرافية لاهمية الوثائق الأيقونوغرافية في عملية التحقيق التأريخي الموسيقي.."

الفترة الصنهاجية... مجالس خمرية رجالية، وتقاليد خاصة بأصحاب الشأن

وبالمرور الى الفترة الصنهاجية أو الزيرية، اعتبر انيس المؤدب بانّ حسن حسني عبد الوهاب استند للحديث عن هذه الفترة على صفحات مطولة من كتاب " قطب السرور في اوصاف الانبذة والخمور" في نقله لشخصية الحاجب عبد الوهاب أحد رجالات الدولة الصنهاجية وقد كان راعيا للموسيقيين وكان بدوره شاعرا وعازفا وملحنا...

 وفي ذكر مجالسه الخمرية الطربية قدم الرقيق القيرواني في كتابه المذكور تفاصيل عنها يمكن تعميمها على بقية مجالس علية القوم، ومن تلك التفاصيل انها كانت حكرا على الرجال وهي معلومات تتوافق مع تقاليد سكان تونس في تلك الفترة التي سيذكرها التيفاشي بعد قرنين مما رواه الرقيق.

 كما عرّف الرقيق في كتابه "قطب السرور في اوصاف الانبذة والخمور" بأن الغناء في تلك المجالس كان جماعيا ويتم بمصاحبة زامر او عازف على عود أو اكثر، والمتبين أنّ آلات القرع كالدفوف والمزاهر والطبول ليست لها مكان في تلك الجلسات كما أنّ الرقص غائب عنها. وقد كانت التقاليد تفرض ان يتم تسوية العود قبل تقديمه لشخصية ذات شأن ليعزف عليها.

هل أتاكم نبأ المغني الذي ترك مال وترف الحاجب وهبّ الى الأندلس من اجل "محبوبته" الخمرة؟

ونقل أنيس المؤدب ما تحدّث عنه الرقيق القيرواني في كتابه بشأن مسألة استقدام الأفارقة في تلك الفترة لموسيقيين مشرقيين والذين رغم إغداق الأموال عليهم فإنّهم وسرعان ما يستهويهم شدّ الرحال الى الأندلس..

وقد لمح الرقيق إلى ان السبب يعود الى توقهم الى حرية ربما لم يجدوها في مجتمع إفريقي محافظ، حيث أشار الى احد المغنين الذين حباهم الحاجب بكرمه وأغدق عليه من المال الكثير غير ان عشقه للخمر والمخورات  كان سببا لرحيله الى الاندلس بعدما سمع بكثرة خمورها.

كما اعتبر بأنّ  الوجهة الاندلسية لم تستقطب فقط المشارقة بل ايضا المحليين على غرار العتيق المغني المهدوي الذي رحل الى غرناطة ليتحق بأميرها حسب ما تخبر به بعض المصادر، لكن ومهما يكن فإن الأندلس لم تكن دوما محط رحال اذ قدم منها الى بلاط الصنهاجيين العديد من الكفاءات ومن بينهم أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الذي توفي بالمهدية 1134 وهو فيلسوف ورياضي وعرف عنه اهتمامه بالموسيقى...

  وقد ورد في كتاب "عيون الانباء في طبقات الأطباء" كون الفيلسوف أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت كان "أوحدا في العلم الرياضي متقنا لعلم الموسيقى وعمله جيد اللعب بالعود"، وذكره المقري التلمساني في  مؤلفه "نفح الطيب" بأنه هو الذي لحن الأغاني الافريقية حسب شهادة لابي سعيد الاندلسي...

وهنا طرح الباحث انيس المؤدب في ذات محاضرته القيّمة، تساؤل المؤرخ عبد الوهاب عمّا إذا كان ابو الصلت استقدم الطرائق الاندلسية وروج لها في تونس أم ان عمله اقتصر فقط على تقنين الأساليب الافريقية بتونس ويبدو أنه أرجأ البتة في الموضوع إلى حين العثور على كتابه في الموسيقى وهو مخطوط مفقود.

ويضيف المحاضر في هذا الاطار: "في الحقيقة فقد تم الاشارة من قبل بعض المكتبيين في القرن 19 بأوروبا الى وجود مخطوط هو حاليا بالمكتبة الوطنية بباريس، كان قد نسخه شخص يدعى يودا ابن اسحاق الذي عاش بالقرن 14 بايطاليا... وتم الاعتناء بذلك المخطوط منذ القرن 20 وبعد التحقيق تأكّد بأنه رسالة في الموسيقى لابن الصلت".

ونوّه في هذا السياق بمجهود الاستاذ محمود قطاط الذي سبق ان عرف بهذا المخطوط في تونس من خلال مقال حول المخطوطات الموسيقية صدر بمجلة الفكر سنة 1986 معتبرا انه مخطوط مهم يستحق بذل عناء ترجمته من العبرية الى العربية..

"لكنه في المقابل اي هذا المخطوط لا يخدم السؤال الذي طرحه حسن حسني عبد الوهاب لانه اهتم بالتعريف بمقدمات نظرية للموسيقى كعلم وتطرق للانغام والابعاد وأنواع الأجناس الموسيقية واصناف الجموع وتركيباتها وانواع الالات الموسيقية وهي القانون والبربط والطنابر والرباب واختتم بالالحان والايقاع، ويبدو ان ابي الصلت قد استقى اغلب معلوماته من كتاب الموسيقى الكبير للفرابي وان اكد الاستاذ محمود قطاط انه قد تفرد بذكر آلة القانون وهو مصطلح لم يظهر في الكتابات المشرقية الا في القرن 14"... يضيف الباحث أنيس المؤدب.

 ويرجّح المؤدب انتشار آلة القانون في المنطقة المغاربية وريادة سكانها في استعماله، مشدّدا على ضرورة الكشف عن مستندات تنير ملامح المشهد الموسيقي في تونس خلال القرن الـ12 ...

زخارف أثرية لتوثيق جانب من الحياة الموسيقية

وفي مداخلته استعرض المؤدب بعض الوثائق أو الزخارف التي احتوتها كل من كنيسة بالاتينا وكاتادرائية تشافالو بمدينة باليرمو الصقلية واللتين بنيتا في القرن 12، مؤكدا أنّ عرب صقلية ومصر الفاطمية ومن تونس الصنهاجية كلهم قد ساهموا في تزويقها وتوثيق جانب من الحياة الموسيقية التي كانت مشتركة بينهم وبين النورمان على غرار هذه الرسومات المحلية لأسقف تلك الكنائس التي أمدّتها الباحثة التونسية القاطنة في ايطاليا لمياء حدة...

من بين الزخارف الواردة بكنيسة بالاتينا التي انتهى بناؤها سنة 1140، ويبدو أنه أول توثيق لآلة القانون..

كاتادرائية تشافالو التي انطلق بناؤها سنة 1131..

هذا واعتبر الباحث المؤدب أنه يمكن الاشارة الى أن القرن الـ12 ورغم حالة اللاإستقرار الذي عرفته البلاد آنذاك إذ توافقتلك الفترة نهاية الدولة الصنهاجية بتونس، فضلا عن هيمنة القبائل الهلالية لعدة مناطق، واستحواذ النورمان على جزء كبير من الساحل الشرقي، ثم الظهور الموحدي الذي سيقلب الموازين ويطرد الكل ويعمل على تركيز الدولة الحفصية، الا انه رغم كل ذلك فقد توفّرت العديد من المصادر للإحاطة بالجانب الموسيقي تلك الفترة فالعديد منها كان أصحابها شهود عيان وبالتالي فهي أقرب لتقديم وقائع وتوضيح مواضيع موسيقية من تلك التي استغلها حسن حسني عبد الوهاب لتأريخ فترات متقدمة وفق تعبيره.

مؤلفات هامة حول الفترة الحفصية

وحول الحديث عن الفترة الحفصية التي امتدت من القرن 13 الى منتصف القرن الـ16 وتعتبر من أطول الأمادي في تاريخ تونس حسب ما اعترف به حسن حسني عبد الوهاب غير أنه صرح انه "لا توجد لها مراجع كثيرة يعتمد عليها اللّهم ما كتبه عنها استطرادا أحمد التيفاشي القفصي لا سيما وقد اختلطت حضارتي تونس والاندلس من جراء امتلاك الدولة الموحدية لكل من القطرين، فامتزجت اوضاعهما على بعد الدار لحدّ ان صارت لهجتهما متقاربة جد التقارب لوفرة نزوح الافراد من الطرفين وانتصابهم في القطرين".

في مقابل وجهة نظر حسن حسني عبد الوهاب القائلة بندرة مصادر الموسيقى في الفترة الحفصية أشار الباحث أنيس المؤدب في محاضرته إلى تقديم بعض الدراسات التاريخية المختصة بتلك الفترة كما هائلا من المعلومات حول الممارسات الموسيقية سواء المتعلقة بالتسلية أو التشريفات الرسمية أو الميادين العسكرية وأيضا الخاصة بالطرق الصوفية التي سيطرت على الفضاء الديني لأغلبية المجتمع التونسي في ذلك العصر.

وذكر هنا بالدراسة التي  وصّفها بأنه لا غنى عنها للاحاطة بالفترة الحفصية وهي لـروبار  برننشفيك الواردة تحت عنوان LA BERBÉRIE ORIENTALE SOUS LES HAFSIDES  وتمت ترجمتها الى اللغة العربية بعنوان "تاريخ افريقية في العهد الحفصي" والتي تناول فيها الكاتب جميع جوانب تاريخ الدولة الحفصية من بداية القرن الثالث عشر ميلادي إلى نهاية القرن الخامس عشر.

وقد اعتمد برنشفيك في الجزء الثاني من كتابه على مجموعة من المصادر المتزامنة مع الفترة الحفصية كـ"تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية" للزركشي، و"مقدمة ابن خلدون" و"وصف أفريقيا" لحسن بن محمد الوزان الفاسي الملقب بـ ليون الأفريقي و" تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب" لعبد الله الترجمان وغيرهم وفقا للباحث المؤدب الذي أضاف مشدّدا على وجوب قراءة نقدية الى ما قدمه برنشفيك وخاصة المتعلّق ببعض الجوانب النظرية الموسيقية التي اعتبرها ليست من اختصاصه فيما تبقى المصادر التي استعملها هامة لإعادة استقرائها واستغلالها لكتابة تاريخ الموسيقى بتونس الحفصية على ضوء مقاربات موسيقية.

أمّا الدراسة الثانية التي استحضرها أنيس المؤدب تعود للاستاذ محمد حسن المختص في الجامعة التونسية بتلك الفترة والذي وصفه المحاضر بأنه أيقونة في مجاله وقد وثق في دراسته المعنونة "المدينة والبادية بإفريقية في العهد الحفصي" فصلين تناول فيهما مسائل موسيقية... 

أول الفصلين حول الموسيقى كصناعة، حيث تطرق فيه الكاتب الى سوق العزافين والمهن الموسيقية والآلات المستعملة والوضعيات الاجتماعية للموسيقيين المحترفين، أمّا الفصل الثاني فتعرض لموسيقى الطرق الصوفية وحلقاتهم وشطحاتهم وقد اعتمد محمد حسن على مصادر متزامنة مع الفترة المدروسة ككتاب "المعيار" للونشريسي  و"المختصر الفقهي" لابن عرفة " وفتاوى أبو القاسم البرزلي و" فرح الأسماع برخص السماع " للشاذلي التونسي وغيرها من المؤلفات الهامة..

وختم الباحث والجامعي أنيس المدب مداخلته قائلا "إن معارفنا حول تاريخ الموسيقى بتونس طيلة الفترة الوسيطة هي قائمة على بناء هش، ورغم ما يشعرنا بتماسكه الا أنه يفتقد لركائز متينة وبالتالي فهو يتطلب التثبيت ولما لا تقويض بعض اركانه واعادة بنائها والدعوة هنا مفتوحة للمشاركة في البحث والتحقيق والتشييد."

مواكبة: منارة تليجاني